محور إريتريا ومصر يزعزع استقرار القرن الأفريقي

23 سبتمبر 2026

حفظ

محور إريتريا ومصر يزعزع استقرار القرن الأفريقي

بقلم ماهدر نيسيبو

تتسم السياسة الخارجية لإريتريا بطابع شاذ ومثير للاستغراب. فهذه الدولة الواقعة في منطقة القرن الأفريقي، والتي تشغل شريطاً ضيقاً على طول البحر الأحمر، يتراوح عدد سكانها التقديري بين 3.5 و6 ملايين نسمة، إذ لم تجرِ الدولة أي تعداد سكاني رسمي قط. ومنذ انفصالها عن إثيوبيا عام 1991، لم يتعافَ اقتصادها تماماً من آثار عقود الحرب التي سبقت قيام الدولة، بل إنه تدهور أكثر وفقاً لمعظم المقاييس. ومع ذلك، وفي ظل حكم الرئيس أسياس أفورقي -الزعيم الحالي والوحيد للبلاد- اكتسبت إريتريا سمعة باعتبارها الطرف الأبرز في زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي. لطالما كانت الحروب، والصراعات بالوكالة، والتحالفات المتقلبة أدواتٍ في نهج أسمرة السياسي، وقد تفاقم هذا النمط في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى تصاعد حالة عدم الاستقرار في أنحاء المنطقة. لقد زُرعت بذور هذا التحول في عام 2018، حين أدى تغيير سياسي جذري في إثيوبيا إلى صعود آبي أحمد إلى السلطة كرئيس للوزراء. وقد انتهجت إثيوبيا في عهد آبي سياسة انفتاح دبلوماسي واسع النطاق في المنطقة، حيث عملت على إصلاح علاقاتها مع السودان والصومال، وحتى مع القاهرة التي كانت العلاقات معها متوترة بسبب قضية مياه النيل. غير أن الاختراق الأهم تحقق مع أسمرة؛ إذ كان البلدان عالقين في صراع مجمد، فلم تتم تسوية الحرب التي دارت بينهما (1998-2000) بشكل رسمي قط، وقضت إريتريا العقدين الفاصلين في العمل عبر وكلاء لزعزعة استقرار جارتها الأكبر حجماً. وبدا أن هذا التقارب يفتح آفاقاً حقيقية للسلام الإقليمي؛ فقد رأى المحللون أن العداء الإريتري تجاه إثيوبيا كان المحرك الرئيسي للكثير من سلوكيات زعزعة الاستقرار، وبالتالي فإن تسوية هذا الخلاف الجوهري من شأنها أن تحقق استقراراً يمتد تأثيره ليشمل منطقة القرن الأفريقي بأسرها.

أخبار موصى بها

  • زيمبابوي تطلق حملتها الوطنية للمشاركة في إكسبو 2027 في بلغراد

لكن ذلك التفاؤل لم يدم طويلاً؛ فبعد مرور سنوات على اتفاق وُصف بأنه تاريخي، لم يطرأ سوى تغيير طفيف على الأسس التي تحكم السياسة الخارجية لإريتريا، بل إن أسمرة أصبحت أكثر جرأة وإصراراً على مواقفها. ويعود جزء من التفسير إلى تحول حدث في العام نفسه الذي أُبرم فيه اتفاق السلام؛ ففي نوفمبر 2018، رفع مجلس الأمن الدولي نظام العقوبات -بما في ذلك حظر الأسلحة- الذي كان مفروضاً على إريتريا منذ عام 2009. وكانت تلك العقوبات قد فُرضت بسبب قيام أسمرة بتسليح حركة "الشباب" في الصومال، فضلاً عن نزاع حدودي لم يُحسم مع جيبوتي. كانت القوات الإثيوبية تقاتل حركة "الشباب" في الصومال آنذاك -كجزء من بعثة الاتحاد الأفريقي هناك- مما دفع إريتريا للانخراط في المشهد، حيث بدت حركة "الشباب" حليفاً جذاباً يمكن استخدامه كوكيل آخر. ورغم أن تطبيق العقوبات لم يكن مثالياً، إلا أنها فرضت قيوداً على قدرة الرئيس أسياس على بسط نفوذه في المنطقة، وكان رفعها بمثابة إزالة لتلك القيود. ومع زوال الحظر، تحركت قوات الدفاع الإريترية لإعادة التسلح، وفي غضون سنوات قليلة، أعادت أسمرة تموضعها كواحدة من أكثر القوى العسكرية تأثيراً في منطقة القرن الأفريقي.

واليوم، تنخرط إريتريا بعمق ليس في إثيوبيا فحسب، بل في السودان أيضاً؛ حيث يتكرر النمط ذاته من سياسات "الوكالة" التي طبعت علاقات أسمرة مع إثيوبيا وجيبوتي والصومال. لقد شهد السودان تحولاً جذرياً أكثر حدة مما شهدته إثيوبيا؛ ففي عام 2019، أطاحت احتجاجات حاشدة بالرجل القوي الذي حكم البلاد لفترة طويلة، الرئيس عمر البشير، بعد ثلاثة عقود في السلطة. وكانت علاقة البشير بنظيره الإريتري تتغير باستمرار وفقاً لمقتضيات المرحلة؛ إذ وظّف الرئيس أسياس نفوذه لدى المجتمعات القاطنة على جانبي الحدود الإريترية-السودانية لتوجيه التوجهات في الخرطوم، مستخدماً وكلاء للضغط على الحكومة السودانية أو دعمها بالتناوب، وذلك بناءً على الحسابات الاستراتيجية لكل مرحلة.

لقد أتاحت حالة الاضطراب التي تلت الثورة -والتي بلغت ذروتها باندلاع الحرب الأهلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023- لأسمرة فرصة لاستعادة نفوذها الذي كان قد تراجع في أعقاب سقوط البشير مباشرة. وقد وضع الرئيس أسياس ثقل إريتريا خلف الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، داعماً إياه عبر توفير معسكرات التدريب والدعم اللوجستي، فضلاً عن مشاركة مباشرة للقوات الإريترية -وفقاً لعدة تقارير-. ولا يزال هذا هو طابع العلاقات الإريترية-السودانية حتى اليوم؛ فبالنسبة لأسياس، حوّل هذا الانخراطُ السودانَ إلى ساحة أخرى لبسط النفوذ، حيث أصبحت حدوده الطويلة والاستراتيجية مع إثيوبيا بمثابة بوابة لمستوى جديد من سياسات الوكالة الموجهة ضد أديس أبابا.

وقد أدى تدهور العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة إلى العودة لأنماط الديناميكيات السابقة. قبل عام 2018، ورغم خضوعها للعقوبات، كانت إريتريا بمثابة ملاذٍ للجماعات المتمردة الإثيوبية، حيث عملت على تسليحها وتدريبها لإبقاء تهديدٍ قائمٍ ضد أديس أبابا. ومع رفع الحظر، استعادت تلك الآلية -التي تعتمد على وكلاء- حيويتها وقدراتها. وسعياً منها لموازنة القوى في مواجهة جارتها التي تفوقها حجماً بمراحل، عززت إريتريا علاقاتها بمجموعة من حركات التمرد والأطراف السياسية الفاعلة، وفي مقدمتها "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF)؛ وهي ذات الجهة التي خاضت إريتريا صراعاً ضدها في الفترة ما بين عامي 2020 و2022.

لا تنفرد إريتريا بهذه الرؤية لمنطقة القرن الأفريقي؛ إذ تتحرك مصر بالتنسيق التام مع أسمرة، ويظهر هذا التوافق بوضوح أكبر في السودان. فعلى الرغم من حصول الفريق البرهان على دعم من أطراف خارجية متعددة في حربه ضد قوات الدعم السريع، إلا أن إريتريا ومصر -اللتين تشتركان في حدود مع السودان- كانتا الداعمين الأكثر تأثيراً. ومن جانبها، قدمت القاهرة دعماً متعدد الأوجه للجيش السوداني، شمل تزويده بالأسلحة، وشن غارات جوية على مواقع قوات الدعم السريع، وتوفير غطاء دبلوماسي يهدف إلى ترسيخ شرعية الجيش باعتباره السلطة المعترف بها الوحيدة في البلاد.

بالنسبة لمصر، يُعد الجيش السوداني ركيزة أساسية لاستعادة النفوذ الذي تمتعت به القاهرة في الخرطوم لعقود طويلة؛ وهو نفوذ كان قد تراجع وتوتر في عهد عمر البشير، الذي عمل خلال فترة حكمه على إخراج السودان من دائرة النفوذ المصري وقاوم ذلك النفوذ إلى حد كبير. وتحتاج القاهرة إلى دعم الخرطوم في ملف مياه النيل، وهي القضية التي طالما شكلت مصدر خلاف بين مصر وإثيوبيا. وعليه، تبنى الجيش السوداني موقفاً عدائياً تجاه إثيوبيا ومشروع "سد النهضة الإثيوبي الكبير"؛ وهو مشروع يحمل للسودان فوائد -لا سيما في مجالي السيطرة على الفيضانات وتنظيم تدفق المياه- تتعارض مع الخطاب العلني للجيش.

وفي حين تعتمد إريتريا عادةً على وكلاء محليين لتحقيق مصالحها، فإن علاقتها بمصر تعكس هذا النمط؛ إذ تعمل إريتريا نفسها كوكيل للقاهرة، ومن خلالها تتبلور أقوى حلقات الحملة المصرية لمحاصرة إثيوبيا. وتنظر القاهرة إلى هذا الحصار باعتباره وسيلة للضغط على إثيوبيا بشأن ملف النيل ومنعها من استعادة منفذ لها على البحر الأحمر؛ وهي حسابات استراتيجية تستند إلى موازين القوى على طول هذا الممر المائي، ودفعت مصر للتحرك في أرجاء القرن الأفريقي سعياً لبناء شراكات وتحالفات مناهضة لإثيوبيا.

لقد أدى الدور الإريتري في السودان وإثيوبيا، مقترناً بالدور المصري الأقل وضوحاً الذي يقف خلفه، إلى وضع منطقة القرن الأفريقي في حالة من الأزمات المتداخلة. وتستدعي هذه الديناميكيات اهتماماً دولياً دقيقاً، كما أن الإدانة العلنية تعد أمراً ضرورياً للتنديد باستراتيجية من هذا النوع تعمل على زعزعة الاستقرار. وفيما يتعلق بإريتريا تحديداً، فإن الدعوة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية جديدة، وإعادة النظر في حكمة رفع نظام العقوبات عنها عام 2018، تستحق اهتماماً جاداً؛ إذ يرى الرئيس أسياس أن عدم الاستقرار هو السمة السائدة للسياسة الإقليمية، وأن إثارة هذا الاضطراب وإدامته يمثلان بالنسبة له نهجاً ثابتاً في العمل السياسي.


أخبار ذات صلة

الأخبار الأكثر تداولاً